محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

495

تفسير التابعين

وعلمه كان لا يجاوز علم ابن مسعود ، ولا يخرج عنه ، وكان متوقيا للشهرة ، قيل له : ألا تغشى هذا المسجد ، وتفتي الناس ؟ فقال - رحمه اللّه - : تريدون أن يطأ الناس عقبي ، ويقولون : هذا علقمة بن قيس ! ! « 1 » . بل كان - رحمه اللّه - مع أنه من أخص أصحاب ابن مسعود ، وأشبههم به هديا ودلا - أكثر علمه المروي عنه إنما أخذه منه بالسؤال ، ولم يتحدث به ابتداء « 2 » . ومرّة ، وهو من أكثر من روى عن ابن مسعود في التفسير ، ما كان يكاد يتفرغ لنشر العلم ، فقد انقطع واشتغل بالعبادة ، ولهذا لم تكثر روايته . يقول الشعبي : ما رأيت قوما قط أكثر علما ، ولا أعظم حلما ، ولا أكف عن الدنيا من أصحاب عبد اللّه « 3 » . وهذا إبراهيم النخعي الذي جاء بعد هؤلاء ، قد تأثر بهم ، فمع إمامته لأهل العراق في الفقه بالاتفاق ؛ لم يكن يتكلم حتى يسأل « 4 » ، وكان يكره كبر الحلقة ، ويخاف الشهرة ، وكان عدد الحاضرين في مجلسه لا يزيد عن الخمسة « 5 » ، حتى إن الإمام الذهبي صدر ترجمته بقوله : كان عجبا في الورع والتوقي من الشهرة « 6 » . وكان من أثر هذا الإقلال عند الطبقتين المتقدمة والمتوسطة من الكوفيين ، أن أكثرت الطبقة المتأخرة من التابعين ، ومن بعدهم في التفسير ، وأفاضوا في علم التأويل ، سدا لما لمسوه من حاجة الكوفة إلى علم القرآن ، وتعويضا لما رأوه من نقص في مجال التفسير .

--> ( 1 ) الزهد لابن المبارك ( 488 ) ، والمعرفة ( 2 / 555 ) . ( 2 ) كما سبق بيانه في ترجمته . ( 3 ) السير ( 4 / 262 ) . ( 4 ) الحلية ( 4 / 226 ) ، وطبقات ابن سعد ( 6 / 275 ) ، والتذكرة ( 1 / 74 ) . ( 5 ) العلل لأحمد ( 3 / 38 ) 4070 ، والإرشاد ( 2 / 557 ) ، وصفة الصفوة ( 3 / 89 ) . ( 6 ) الكاشف ( 1 / 96 ) ، والتذكرة ( 1 / 74 ) .